|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
 |
|
 |
|
إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب |
|
|
|
مركز الوفاق الإنمائي للدراسات والبحوث
|
نوبة الرعب |
|
- عبدالله يحي شويل |
|
- التبويب : عام |
|
- العدد 3 شهر : مارس
لسنة : 2005 |
|
 |
لا تخلو أيام البشر من أيام رعب تنكد عليهم أحلامهم ،ولكنها بحمد الله نادرة بندرة الكوارث المرعبة ، التي قد لايسمع عنها إلا في روايات المسنين . ولكن كيف بأحدنا إذا كان الرعب حليفه ،يزوره دون مبرر ويأتيه في أي وقت ويدخل عليه في أي مكان ، وكيف بإنسان ذالك حاله ما إن يأنس إلى جلسائه ، أو يأوي إلى فراشه أو يغادر داره أو إلخ.... حتى ترتعد فرائصه فلا يؤنسه جلساؤه ولا يطيق فراشه ولا تغني عنه نزهته . إنه الزائر المرعب ، الذي يتقمص ثياب الموت ويقلد هيئته ويسلك سلوكه . يأتي على حين غرة ليقرع جرس الإنذار ويدخل دون استئذان ، ويعيث في كل جزء من أجزاء الجسم فيرتجف القلب وترتعد الفرائص ، ويضيق الصدر ، ويختنق التنفس، وتلهث الرئتان ، ويصاب الرأس بالدوار ، وتفتر العضلات ، ويبرد الجلد ويقشعر ،وتتخاذل الحركة وكأنه لا خيار من أسواء الإحتمالات : الموت الجنون أو الانهيار أو الشلل . لايرى المريض احتمالات أخف من هذه الاحتمالات . إنه يرى الموت ماثلا بين عينيه وإلا فماذا يعني أن لا تستطيع أخذ ما يريد من الهواء وما ذا تعني هذه الخفقات الشديدة في القلب وهذا الإعياء العام في كل الجسم .
أمام هذا الواقع المرعب لايؤمن المريض بأي تفسير آخر ، ولهذا يتسغيث ويستنفر كل الجهود لمحاولة التدخل السريع والإنقاذ ، ويهب معه كل من يشهد الموقف لإسعافه لأقرب مركز صحي أو مستشفى ، وماهي إلا ثلث ساعة أو نصفها من بدء النوبة حتى تنقشع الغمة ويزول الخطر بمغادرة نوبة الرعب لصاحبها . ليتنفس الصعداء ويحمد الله على السلامة موقنا أن خروجه مما وقع فيه كان خروج من بين أنياب الموت وأنه معجزة ماكان أن يقع لولا لطف الله ومشيئته ، لكن لهول ما حدث ما إن ينعم بالنجاة حتى يغرق في التفكير فيما حدث والخوف من أن يتكرر حدوثه فيبداء في رصد الأسباب المحتملة والمؤشرات المنذرة والأوضاع التي تزامنت معها النوبة والعلامات التي صحبتها ، وهو في هذا الحال من الانشغال والترقب والحذر خائفا يترقب ، مرهفا حسه لآي مؤشر خطر . فجأة وبعد مرور بعض الوقت على الزيارة الأولى يقرع جرس الإنذار ثانية عبر القلب أو المعدة أو الرئة أو غير ذالك ، منذرا بلحظة وصول الزائر القبيح ، الذي لايحلو له من الثياب إلا ثوب الموت ولا من النتائج إلا الجسد الخائر المنهار. زائر الرعب لاتطربه إلا ضربات القلب المفجوع، ولاتنعشه إلا الشهقات المخنوقة ولا يرضيه إلا الاستغاثات الملهوفة . إن نوبات الرعب زائر ثقيل تحل مرة ومرات ولاتفرق بين رجل وأمراءة ، ولا بين شجاع أو جبان ، ولابين شاب يافع أو شيخ وقور . ونوبات الرعب ابتلاء يزداد بنا تشبثا كل ماخفنا منه وتجاهلنا طبيعته . إنها نوبات تعشق من يصدقها ويخشاها ، ولايعي حقيقتها ، إنها تتشبه بالموت وتحب من يجاملها ويقول لها أنت الموت فعلا ، وتكره وتنفر من الذي يقول لها أنت مزيفة ، وتلبسين غير لباسك وتقلدين غيرك تقليدا أعمى ، وتتطاول على من يصيح منها ويولول ، وتسخر من سذاجته ، ويغريها ضعفه وفي نفس الوقت تفر ممن يعريها ويكشف لثامها ، ويقول لها جيء كما تشائين واذهبي حينما تريدين فمالذي يضيربي من حمقاء تتطور في لباس لايوراي سوأتها أكثر من عشرين إلى ثلاثين دقيقه فتنكشف حقيقتها وتهرول بفضيحتها وقد انكشف زيفها فلا هي الموت الذي تهددنا به ولاهي تجيد حتى تقمص دور الموت الذي لايمكن لها ولا غيرها معرفته إلا إذا جربته وماتت . فإذا أحبت معرفته كما يجب أن تكون المعرفة فلتمت ولتأتينا بشهادة بعث بعد الموت وحينها سنصدق ما تمثله لنا عن الموت .أن حبل الكذب قصير ولهذا فنوبة الرعب لا تستطيع الكذب على ضحاياها أكثر من ثلاثين دقيقة ، لتعود وتعود وتعود كلما استبد بالضحية تصديقها والخوف منها. والعجب ممن يعيش أكاذيبها لعشرات المرات . والمثل يقول إذا كان المتكلم مجنون فالمستمع بعقله . فربما يصدقها حديث الخبرة بها مرة أو مرتين أو حتى ثلاث مرات ، لكن يجب أن تهديه معرفته وعقله في المرات الأخرى إلى اكتشاف الكذب المتكرر في النوبات السابقة . فما من نوبة إلا وتقول أنا القاضية أنا الموت بكل صفاته وأفعاله ، ويرى المصاب نفسه بعد دقائق حيا يرزق بكامل قواه العقلية والجسديه لم ينقص منه شيء . إن المؤمن لايلدغ من جحر مرتين . فقد يقع ضحية الفكر الخاطيء ، قبل أن يعرف الحقيقة ، ثم بعدها تهديه التجربة والواقع إلى التفكير الصحيح يحميه من معايشة الخوف والإستسلام له .
إن الذي يدير عجلة نوبات الرعب هو الخوف ، وأن الوقود الذي يدير عجلة الخوف هو التفسير الخاطيء الذي فسر به المريض أعراض الإنفعال والخوف عندما شعر بهذه الأعراض لأول مرة وظن أنها من علامات الخطر الشديدة التي قد تودي به إلى المهالك، والطبيب عندما يعتبرها تفسيرات خاطئة يعتمد على رؤيته ومعاينته للمريض ، ويعتمد على علمه ودراسته لعلامات الأمراض التي تهدد الحياة فالطبيب يستطيع بسهولة أن يميز علامات وأعراض الانفعال والخوف عن علامات وأعراض الموت والجنون وغير ذالك . أما المريض فعندما يفسر ما يحدث له بأنه خطر مهدد لحياته لايبني تفسيره على علم ولا على تجربة فلا هو تعلم الأمراض ودرس الفروق بينها وعلامات كل منها ولاهو جرب الموت وسبق أن مات فأصبح لديه معرفة عملية بذالك ، وإنما العكس صحيح هو جرب السلامة والعافية ، ففي الوقت الذي تبادر إلى ذهنه أثناء نوبة الرعب بأنه في خطر محقق ، أثبت له الواقع وبعد نصف ساعة بأنه بخير وان لاخوف عليه .
|
|